
الأقلية المسلمه في رواندا
رواندا إحدى دول حوض النيل تقع وسط القارة الإفريقية شرق بحيرة فيكتوريا، يحدها شرقًا تنزانيا، وغربًا الكونغو الديمقراطية، وشمالاً أوغندا، وجنوبًا بوروندي. وأشهر مدنها “كيجالي” العاصمة و”جيتاراما” و”جيسيني”.
عدد السكان 10 مليون نسمة حسب تقديرات عام 2010م، وعدد المسلمين حوالي مليون ومائة ألف نسمة.
الجماعات العرقية: الهوتو 84%، التوتسي 15%، التوا (الأقزام) 1%.
الأديان: الكاثوليك 56.5 %، البروتستانت 26%، المسلمون 11%، مسيحيون آخرون 4.6%، معتقدات تقليدية 2.7%.
اللغات: الكنيارواندا والفرنسية والإنجليزية والسواحلية.
كانت دولتا رواندا وبوروندي تكوِّنان بلدًا واحدًا مع الكونغو، لكن المستعمر والاستعمار البلجيكي عمل على تقسيمها إلى أربع دول، هي: رواندا – بوروندي – الكونغو ليوبو لدفيل “زائير حاليًا” – الكونغو برازفيل.
وقد استعمرت ألمانيا رواندا قرابة عشرين عامًا، ثم انتقلت إلى أيدي البلجيك، وظلت تحت أيديهم أربعين سنة.
والاستعمار البلجيكي هو أحطّ أنواع الاستعمار؛ إذ عمل على تمزيق البلاد وتركها خرابًا.
عاش الشعب الرواندي تحت هذا الاحتلال من عام 1896م حتى عام 1962م بعدما أشرقت شمس الحرية على البلاد.
دخل الإسلام رواندا عن طريق التجار المسلمين والطرق الصوفية، إضافةً إلى المسلمين المهاجرين، ومرت الجالية المسلمة بمراحل صعبة في رواندا؛ فأيام المستعمر البلجيكي نالت أبشع أساليب التعذيب، حتى محاربتها في أقواتها، وحاول التفرقة بينها بزرع الفتن والأحقاد؛ فقد كان يمنع الأسر المسلمة من السكن متجاورين لدرجة أنهم كانوا لا يسمحون لثلاث أسر مسلمة بالسكن متجاورة، فإذا خالفوا ذلك أصر المستعمر على تبديد بيوتهم وتشريدهم وقتلهم. لذا كان المسلمون يؤدون شعائرهم في الخفاء والسر، كما قام المبشرون بدور إرهابي ضد المسلمين؛ فقد كان حكم البلاد فعليًّا بأيديهم متمثلاً في الكنيسة ومراكز التبشير الصليبي الحاقدة.
وفي البلاد طائفتان نصرانيتان، هما: (الكاثوليك والبروتستانت)، ومع الاختلاف بين المذهبين الصليبيين إلا أن أفرادهما اتفقوا على تكوين جبهة ضد الإسلام والمسلمين في هذه البلاد، فمنعوا المسلمين في رواندا من التعليم والتوظيف ومن أي عمل سوى الزراعة البسيطة التي عاشوا عليها في كفاف، كما مارسوا كل أنواع البطش والتسلط ضد المسلمين الذين لم يستطيعوا الاجتماع مع بعضهم إلا في عام 1972م، حينما قام الحكم الوطني واعترف بالعقائد الثلاث.
المسلمون في رواندا.. نقاط ضوء في وسط العتمة
في القرن الثامن عشر، وصل الإسلام إلى رواندا من قِبَل التجار المسلمين، القادمين للتجارة من الساحل الشرقي للقارة الأفريقية، كان المسلمون دوما أقلية في هذا البلد، الذي يسمى أيضا بأرض الألف تـل، ومع مرور الوقت تزايدت أعداد المسلمين بشكل كبير، وبعد أن كانوا يمثلون نسبة أقل من 1% من عدد السكان، أصبحت نسبتهم تقدر بنحو 10%، فكيف انتشر الإسلام بهذه السرعة؟، والعوامل التي ساعدت على ذلك؟ في إبريل من العام 1994م، شهدت رواندا واحدة من أسوأ الإبادات الجماعية في التاريخ الإنساني خلال القرن العشرين، قُتِلَ نحو 800 ألف شخص خلال 100 يوم فقط، كانت الدعاية العنصرية هى المحرك الأساسي للمذابح، في ظل تنافس قبلي بين جماعتي الهوتو والتوتسي، وهو صراع ممتد منذ قرون، ولم ينجحوا حتى في التصالح في مرحلة ما بعد الاستعمار، وكان إسقاط الطائرة الرئاسية التي كانت تقلّ الرئيس الرواندي آنذاك “جوفينال هابياريمانا”، هى الشرارة التي اتخذها أفراد قومية الهوتو للبدء في حملة منظمة للقتل بحق التوتسي، بالرغم من النفي المتكرر لذلك، والقول بأن الهوتو هم من أسقطوا الطائرة كذريعة لتنفيذ إبادة جماعية بحقهم. تشكلت ميليشيات منظمة من الهوتو، كانوا يملكون قوائم بالغة التنظيم بأسماء خصومهم التوتسي، لدرجة أن الإذاعة كانت تبث أسماء الأشخاص الموجودين على قوائم القتل، وكان القتل يشمل الأسر بأكملها، وانتشرت حالة من هيستريا القتل والتنكيل، فقتل الجيران جيرانهم، كما قتل بعض الأزواج زوجاتهم المنتميات للتوتسي، كما احتُجزت الآلاف من نساء التوتسي لاستغلالهن جنسيًا من عناصر ميليشات الهوتو، وكانت بطاقات الهوية في ذلك الوقت تتضمن تحديد الانتماء العرقي، وهو ما ساهم في إرتفاع عدد الضحايا، من خلال نقاط التفتيش التي أقامها الهوتو على الطرق. لم يتدخل العالم، أو يرغب في التدخل جديّا، لإنقاذ الموقف، على استحياء أرسلت فرنسا قوات لإنشاء منطقة آمنة، لكن وُجهت إليها اتهامات بأنها لم تبذل الجهد الكافي لوقف المذابح في تلك المنطقة، كما أن الحكومة الفرنسية كانت حليفة لحكومة الهوتو في ذلك الوقت، استمرت عمليات القتل والتنكيل حتى الرابع من يوليو من نفس العام، حيث تمكنت الجبهة الوطنية الرواندية، وهى حركة معارضة من التوتسي، مدعومة بقوات من الجيش الأوغندي، من السيطرة تدريجيا على مناطق أكثر داخل رواندا، وتلا ذلك فرار حوالي مليوني شخص من الهوتو، وبعض من تورطوا في عمليات الإبادة الجماعية، عبر الحدود إلى داخل الكونغو الديمقراطية، خوفا من أن يتعرضوا لهجمات انتقامية. لـكـن بقعة الضوء الوحيدة في عتمة المجازر تلك، كانت الملاذات الآمنة التي وفرها المسلمون لأفراد قومية التوتسي، وحمايتهم من هجمات الهوتو المتعطشين للقتل والدماء، في وقتٍ فشلت فيه الكنائس في أن توفر لهم الحماية، خاصةً وأن المسيحية الكاثوليكية هى الديانة المهيمنة هناك لأكثر من مئة عام، كان لذلك أثر كبير في نفوس المواطنين التوتسي، إذ لم يؤد فقط لفقدان ثقتهم في حكومتهم ووطنهم، بل في ديانتهم أيضا، وهو ما ساهم لاحقًا في إعتناق الكثيرين للإسلام، فقد كان الناس ممتعضين وغاضبين من بعض القساوسة والراهبات، لدورهم في عمليات الإبادة، شكل ذلك دافعًا قويًا للكثيرين بأن يرفضوا الدين الذي يساعد رجاله القتلة كي يمارسوا أبشع أنواع القتل، في حين كانت المناطق التي يقطنها المسلمون هى الأكثر أمانًا، صحيح أنهم لم يكونوا منتشرين في مختلف أنحاء البلاد كما هو الحال ألان، لكن تجمعاتهم السكانية تميزت بالاستقرار، وكانوا مرحبين بالفارين من الموت والقادمين للاستنجاد والاحتماء بهم، تصدى المسلمون للميليشيات وأنقذوا الكثير من الأرواح، كما كان الهوتو المسلمون يرفضون التعاون مع ميليشيا الهوتو التي تطارد التوتسي لقتلهم، فأعطوا مثالًا عمليًا عن الارتباط بالدين أكثر من العرق. كان رجال الدين الإسلامي ينبِّهون أتباعهم في خطب الجمعة والمواعظ في جميع مساجد رواندا، وكذلك في وسائل الإعلام ومن خلال منشورات خاصة، إلى عدم الوقوع في الاستقطاب، وضرورة مساعدة جميع الضحايا، وعدم الانضمام إلى الأحزاب السياسية أو إتباع أية أيديولوجيا لا تتَّفق مع القرآن الكريم. كما كانوا يتوجهون بالدعوة إلى جموع الشعب الرواندي بنبذ العنف، وإيقاف المجازر، وحماية الضعفاء، بصرف النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني. وفي ظل أقصى درجات الخطر على الحياة؛ كان المسلمون يشكلون حواجز على الطرقات لإعاقة تقدُّم ميليشيات الهوتو، وأحيانا يتسللون إلى صفوف الميلشيات لاكتشاف خططهم والتمكُّن من تحذير اللاجئين ونقلهم إلى مناطق آمنة، بعض الناجين من الموت تحدثوا عن قيام بعض المسلمين بإنقاذهم من الغرق أثناء هروبهم من الميليشيات، وأحيانا كان المسلمون يقومون بتنظيم “مذابح وهمية” أو “جنازات مزيَّفة” لبعضٍ ممن هم على قوائم القتل، وذلك بهدف خداع ميليشيات الهوتو وحملهم على الانسحاب، وإيهامهم بتصفية من جاؤوا لقتلهم. كما ساهم المسلمون في المصالحة الوطنية التي تمت لاحقًا بعد انتهاء النزاعات، وقامت المساجد وأئمتها بدور طيب في ذلك، من منطلق رفض الدين الإسلامي للعصبية القبلية والتفرقة العنصرية، وأعطى ذلك كله مصداقية للمسلمين في رواندا، ساهمت في زيادة من دخلوا إلى الإسلام، كما أكسبت المسلمين احترام الأغلبية المسيحية وباقي الديانات، وبعد أن جفت الدماء ونفضت رواندا عن نفسها غبار التعصب، بات الحديث عن العرقية أمرًا غير قانوني، حيث ترى الحكومة أن ذلك يساعد في منع إراقة الدماء، كما اعترفت بالدين الإسلامي كأحد الأديان الرسمية بالدولة، ويحظى المسلمون بمكانة خاصة، هذه هى قصة الإسلام الذي بزغ من وسط عتمة مذابح عام 1994م، في بلدٍ يدين معظم من بقوا على قيد الحياة بحياتهم إلى مسلمين وفروا لهم السند والحماية من براثن القتل الأعمي، وليس أبلغ من ذلك سوى توجَّه الرئيس الرواندي السابق “باستور بيزيمونغو” إلى المسلمين الروانديين بعد تنصيب أوَّل وزير مسلم في الحكومة الرواندية، بقوله “عَلـِّموا الروانديين الآخرين كيفية التعايش”.
مشكلات المسلمين في رواندا
كان للمسلمين دور فعال وإيجابي خلال الصراع العرقي الدموي بين قبيلتي “الهوتو والتوتسي” في منتصف التسعينيات من القرن الماضي؛ وذلك لعدم مشاركتهم فيها من جهة، وتوفير الأمن لكل من التجأ إليهم من الأطراف المتضاربة من جهة أخرى. وبذلك أصبح المسلمون أكثر قدرةً على تفعيل الجهود السلميَّة ونشر التسامح بين القبائل، وقد فتح المسلم بيته لكل من لجأ إليه، وكانت المساجد هي الأمان لكل مَن نزل بها. وقد ساعد ذلك على نشر تعاليم الإسلام بين القبائل، وكان من ثمرته إنشاء العديد من الجمعيات والاتحادات.
ومن هذه المؤسسات -مثلاً- (جمعية مسلمي رواندا) التي تتولى حاليًا نشاط العمل الإسلامي والتنسيق بين الاتحادات والجمعيات المسلمة، وتوجِّه جهود العلماء والتنسيق بينهم والاستفادة منها. وتم تشكيل هيئة تضم خريجي الجامعات الإسلامية والعربية لتشرف على شئون الدعوة ومتابعة القضايا التي تهم المسلمين، وأيضًا يوجد للمسلمين محاكمهم الشرعية؛ وذلك بعد أن تم تأسيس مجلس العلماء الذي خرج منه القضاة الذين ينظرون في القضايا الخاصة بالطلاق والميراث.
أما المشكلات التي تواجه مسلمي رواندا فمن أهمها التعليم؛ فالجهود في نشر التعليم -خاصةً تعليم الدين- لا تزال في بدايتها وتحتاج إلى الجهد والمال. وأيضًا المجال الصحي فليس هناك أي نشاط في هذا المجال “إلا القليل”، برغم أن المؤسسات التنصيرية تعتمد على المؤسسات الصحية والتعليمية.
وهناك أيضًا حاجة إلى الدعاة المتخصصين الذين يفهمون اللغة المحلية ويتقنونها حتى يجوبوا البلاد كلها (مدنها وقراها)؛ لأن المناطق الريفية في رواندا متعطشة إلى فهم الإسلام. وهناك إحصائية تدل على تزايد عدد مسلمي رواندا؛ ففي عام 1982م كانت نسبة المسلمين فيها 5%، والآن تصل نسبتهم من 11 % إلى 15%.
ويُرجِع بعض المحللين هذه الزيادة إلى دَوْر الإذاعة “راديو رواندا” الذي يقوم ببث بعض البرامج الدينية. وأيضًا إلى اتصالهم بالمؤسسات والجمعيات الإسلامية في العالم الإسلامي مثل: الأزهر، والجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، ورابطة العالم الإسلامي بمكة، وغيرها.
ومما يبشر بالخير أن مسلمي رواندا استطاعوا إقامة 155 مدرسة ابتدائية و60 مدرسة ثانوية و120 مسجدًا، لكنهم ما زالوا يحتاجون إلى الكثير.
المصادر والمراجع:
- د. محمد عاشور: دليل الدول الإفريقية، جامعة القاهرة، معهد البحوث الدراسات الإفريقية، 2007م، ص33.
- مجلة الأزهر، القاهرة، عدد رجب 1432هـ/ 2011م.
- موقع مسلم أون لاين.
المصدر: مجلة البيان.
- موقع طريق الإسلام